مباشر

من سوتشي إلى موسكو.. محطات الشراكة الروسية الإفريقية

تابعوا RT على
تمثّل القمم الروسية الإفريقية عملية إحياء لعلاقات قوية تعود إلى الحقبة السوفيتية، وتستند في الأصل إلى دعم موسكو لحركات التحرر الإفريقية، وتقديم مختلف أشكال الدعم في أحلك الظروف.

لم تكن هذه العلاقات مجرد إرث تاريخي، بل تحوّلت تدريجيا إلى مسار عملي تسعى موسكو من خلاله إلى تقوية حضورها في القارة، وإقامة شراكة عادلة مع الدول الإفريقية، تقوم على ربط التواصل ومدّ يد العون، ثم تطوّرت الاتصالات إلى قمم تجمع الطرفين، تُبحث خلالها مشكلات الحاضر وسبل حلّها في إطار شراكة واعدة، من دون إملاءات أو تدخّل، خلافا لما تعوّدت عليه دول القارة في تعاملها مع بعض شركائها الغربيين.

عُقدت القمة الروسية الإفريقية الأولى يومي 23 و24 أكتوبر 2019 في منتجع سوتشي على البحر الأسود، وكانت أول حدث واسع النطاق في تاريخ روسيا الحديثة بهذه الصيغة. وقد حملت القمة شعار "من أجل السلام والأمن والتنمية". شارك في هذه القمة رؤساء 43 دولة، كما شارك في رئاسة الحدث، إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي كان حينها رئيسا للاتحاد الإفريقي.

أسفرت القمة الأولى عن توقيع 92 اتفاقية بقيمة إجمالية تزيد عن تريليون روبل، كما أعطت زخما جديا لمجموعة كاملة من العلاقات، في السياسة والاقتصاد والأمن والعلوم والثقافة. من نتائجها أيضا تأسيس "منتدى الشراكة بين روسيا وإفريقيا" كآلية جديدة لتنظيم الحوار، والاتفاق على عقد القمم كل ثلاث سنوات، مع إجراء مشاورات سنوية بين وزراء الخارجية. إضافة إلى ذلك، تعهّدت روسيا بمضاعفة التجارة مع الدول الإفريقية من حوالي 20 مليار دولار إلى 40 مليار دولار في غضون خمس سنوات، وتم اعتماد إعلان نهائي شامل يحدّد أهداف التعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

أما القمة الثانية، فقد عُقدت يومي 27 و28 يوليو 2023 في مدينة سان بطرسبورغ. اللافت أن انعقادها جاء وسط ضغوط من الدول الغربية التي دعت الدول الإفريقية إلى رفض المشاركة. على الرغم من ذلك، شاركت في القمة وفود من معظم دول القارة، وخمس جمعيات تكامل أفريقية كبرى.

اعتمد المشاركون في القمة الروسية الإفريقية الثانية عدة وثائق رئيسة، هي إعلان ختامي، وإعلانات حول مواضيع محددة مثل منع سباق التسلح في الفضاء، وأمن المعلومات الدولي، ومكافحة الإرهاب، فضلا عن خطة عمل منتدى الشراكة للفترة 2023-2026. كما أعلن فلاديمير بوتين عن إمدادات حبوب مجانية لست دول إفريقية.

عُقدت القمة الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر 2026، وفيها تواصل خط تعميق الشراكة متعددة الأوجه. حضر هذا الحدث الهام ممثلو 48 دولة أفريقية من أصل 54 دولة، ومُثّلت 22 دولة على أعلى مستوى من قبل رؤساء الدول أو الحكومات. كان الرئيس المشارك، إلى جانب فلاديمير بوتين، رئيس بوروندي إيفاريست ندايشيمي، الذي يرأس الاتحاد الأفريقي. لم يقتصر برنامج القمة على الجلسات العامة فحسب، بل تضمّن أيضا منتدى اقتصاديا وإنسانيا، ومنتدى إعلاميا، ومنتدى شبابيا.

اعتمد المشاركون في القمة الثالثة إعلانا نهائيا، وإعلانا منفصلا بشأن التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وخطة عمل للفترة 2027-2029. كما خططوا للتوقيع على حزمة تضم أكثر من 30 وثيقة حكومية دولية ومشتركة بين الإدارات وتجارية. شملت المواضيع التي نوقشت توسيع التعاون التجاري والاقتصادي، بما في ذلك الانتقال إلى أنظمة الدفع الوطنية، وتطوير روابط النقل، والطاقة والزراعة والتعليم والرعاية الصحية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. إضافة إلى ذلك، دعت روسيا إلى توسيع تمثيل إفريقيا ودورها في هيئات صنع القرار العالمية، وخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

اختُتمت القمة الروسية الإفريقية الثالثة أعمالها بالتركيز على إنشاء "نظام عالمي متعدد الأقطاب" وتعميق التعاون العملي، كما تم اعتماد خطة عمل منتدى الشراكة الروسية الأفريقية للفترة 2027-2029، وهي خطة مصممة لتكون بمثابة خريطة طريق للتعاون الشامل على مدى السنوات الثلاث التالية.

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذه القمة أن روسيا وإفريقيا "حليفان طبيعيان" ضد النفوذ الغربي، داعيا إلى عالم خال من "الإملاءات الخارجية"، كما أدان العقوبات الأحادية الجانب باعتبارها أدوات "للاستعمار الجديد".

أصبحت القمة الروسية الإفريقية منصة منتظمة لـ"الساعات المتزامنة"، حيث لا تناقش الأطراف التحديات المشتركة فحسب، بل تترجم أيضًا الاتفاقيات السياسية إلى مشاريع محددة، من توقيع الاتفاقيات إلى تنفيذ المبادرات المشتركة في مجالات الطاقة والتعليم أو مكافحة الأوبئة. وقد أكدت روسيا في هذه القمة مكانتها كضامن موثوق للأمن الغذائي، مشيرة إلى أن أكثر من 40 دولة أفريقية تتلقى بالفعل الحبوب والأسمدة الروسية، فيما بلغت الصادرات الزراعية إلى القارة 13 مليون طن في الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.

إضافة إلى كل ذلك، تشارك الشركات الروسية في تنفيذ أكثر من 30 مشروعا للطاقة في 16 دولة إفريقية. كما ارتفع عدد الطلاب الأفارقة في روسيا بنسبة 50% منذ عام 2020، ليصل إلى حوالي 40.000 طالب. كما التزمت روسيا بإقامة إنتاج محلي للأدوية واللقاحات في أفريقيا.

خلاصة القول، تمثّل القمم الروسية الإفريقية محورا استراتيجيا لموسكو لإعادة إشراك قارة ذات أهمية متزايدة في مجالات عديدة. يُظهر سجل هذه القمم نمطا من المشاركة الدبلوماسية رفيعة المستوى، والتعهدات الاقتصادية الطموحة، والإرادة الحازمة في ترجمة الطموحات إلى نتائج ملموسة، على الرغم من التوترات العالمية المتزايدة.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا