أجبرت هذه المسيرة النسائية العائلة المالكة على الانتقال إلى باريس، ما شكل نقطة تحول حاسمة في مسار الثورة. ومسيرة النساء الفرنسيات إلى فرساي تحيط بها العديد من الأساطير والوقائع المأساوية؛ اختلطت فيها الحقيقة بالخيال.
المسيرة بين دوافع الجوع والسياسة
يرى خبراء أن المقولة الشائعة بأن النساء في باريس خرجن وقتها في المسيرة بسبب الجوع وحده غير دقيقة، مشيرين في الوقت نفسه إلى أن نقص الخبز وطوابير الانتظار الطويلة كانا المحفز المباشر، إلا أن دوافع سياسية كانت حاضرة أيضا؛ وذلك لأن المشاركات في هذه المسيرة أردن "انتزاع" الملك من الدائرة المعادية للثورة المحيطة به في فرساي، وإجباره على الاعتراف بمراسيم الجمعية الوطنية التأسيسية.
أما المقولة الشهيرة "فليأكلوا الكعك، إذا لم يجدوا الخبز"، فينفيها مؤرخون، مشيرين إلى أنها اختلاق لاحق للحدث. يجمع المؤرخون على أنها مقولة ملفقة؛ وذلك لأنها نُسبت لأول مرة إلى "أميرة عظيمة" من قبل جان جاك روسو في كتابه "الاعترافات" الذي كُتب عام 1765 ونُشر عام 1782، أي قبل وقت طويل من وصول ماري أنطوانيت إلى فرنسا. كما لم يظهر ربط هذه المقولة بالملكة إلا في القرن التاسع عشر في إطار ما عُرف بـ"الأسطورة السوداء" التي شوّهت صورتها، ولم تُنطق هذه العبارة أبدا أثناء المسيرة.
هل كانت المسيرة عفوية؟
يُصوَّر هذا الحدث أحيانا على أنه انتفاضة غير مخططة بتاتا، إلا أن المؤرخين يشيرون إلى عوامل أخرى أثرت في المزاج العام، مثل حالة الهياج في باريس، وأحداث كالمأدبة التي أُقيمت في الأول من أكتوبر، حين داس ضباط بأقدامهم على شارات الألوان الثلاثة، وانضمام بعض الرجال بمن فيهم مسلحون وحتى بعض الثوار، مثل ستانيسلاس مايار، بطل اقتحام سجن الباستيل، إلى الحشود.
انتشرت بين عامة الناس، وفي الروايات التاريخية اللاحقة، نظريات تشير إلى أن الشعب قد حُرّض من قبل عملاء سريين، بمن فيهم أشخاص على صلة بإخوة الملك، أو أن رجالا متنكرين كانوا بين المشاركين. لكن لا يوجد دليل مباشر على ذلك؛ بل تعكس هذه المزاعم حالة عدم الثقة والخوف العام التي تصاحب دائما الأزمات الاجتماعية الحادة.
مجريات اليوم
في ذلك اليوم انطلقت الحشود، التي قُدر عددها بما يتراوح بين 7000 و8000 شخص، غالبيتهم العظمى من النساء، في مسيرتهم قرابة ظهر يوم 5 أكتوبر. شكلت النساء طليعة المسيرة، وكنَّ مسلحات بالبنادق والمسدسات ومذاري القش والرماح، بل يُقال إنهن اصطحبن معهن مدفعين أيضا.
وقعت عدة اشتباكات خطيرة في ذلك اليوم. حتى قبل اللقاء مع الملك، قام ملازم في الحرس الملكي بضرب جندي بسيفه، فيما كان هذا الجندي يقود مجموعة من النساء المطالبات بمقابلة العاهل. وردا على ذلك، أُصيب الملازم بطلق ناري، ما دفع الحرس الملكي لمهاجمة الحشود بسيوفهم المسلولة.
اندلع تبادل آخر لإطلاق النار حوالي الساعة التاسعة مساء؛ حيث انطلقت أعيرة نارية في اشتباك بين ميليشيا فرساي وأولئك الحراس الأرستقراطيين أنفسهم الذين كانوا قد داسوا بأقدامهم شارات الألوان الثلاثة، رمز الثورة، في الأول من أكتوبر. في حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا، فكر الملك والملكة بجدية في الفرار إلى نورماندي، غير أن الحرس الوطني اعترض العربات قبل أن يتسنى إيصالها إلى القصر.
مع اقتراب الصباح، استولت الحشود الهائجة على ثكنات الحرس. تشير الأدلة إلى أن رؤوسا مقطوعة لعدة جنود رُفعت على الرماح، وأن الجنود الناجين حاولوا الاحتماء داخل القصر، ما دفع الحشود التي كانت تلاحقهم لاقتحام الشقق الملكية. لم يُستعد النظام إلا في صباح السادس من أكتوبر؛ وفي النهاية، أُجبرت العائلة المالكة على الموافقة على الانتقال إلى باريس.
أظهرت هذه الأحداث بوضوح كيف تحول احتجاج معيشي بسرعة إلى أزمة سياسية كبرى، ما جعل الملك الفرنسي فعليا رهينةً في أيدي الجماهير الثائرة.
العواقب: انهيار فعلي للملكية المطلقة
كانت عواقب "المسيرة إلى فرساي" جسيمةً ومؤثرة للغاية بالنسبة للقصر والبلاط الفرنسي بأسره؛ ويمكن وصف الحدث بأنه نقطة تحول مفصلية. أُجبر لويس السادس عشر على الانتقال إلى باريس، مصطحبا معه عائلته وجزءا كبيرا من حاشيته. بذلك، فقد البلاط مقره الرسمي عمليا، ولم تعد فرساي مركزا للحياة السياسية في البلاد.
وضع الانتقالُ إلى باريس العاهلَ تحت السيطرة المباشرة للجماهير الباريسية وللجمعية الوطنية التأسيسية، وأصبح ملزما بمراعاة إرادة الجمعية وضغوط العاصمة باستمرار. يرى العديد من المؤرخين في هذا الحدث الانهيارَ الفعلي للملكية المطلقة؛ حيث تحولت سلطة الملك من وضع كانت فيه غير محدودة تقريبا إلى وضع أصبحت فيه مقيدة بشدة.
علاوة على ذلك، قبل هذه المسيرة التاريخية الهامة، كانت هناك دوائر داخل قصر فرساي تدرس فكرة حل الجمعية الوطنية؛ إلا أن الانتفاضة الشعبية وما تلاها من انتقال للملك جعلت تنفيذ هذه الخطط أمرا مستحيلا.
لم يتقبل جميع أفراد الطبقة الأرستقراطية هذه التغييرات؛ فما أن انتقل البلاط إلى باريس واتضح أن "النظام القديم" آيلٌ للسقوط، حتى بدأ العديد من النبلاء في مغادرة فرنسا. لم يكن هذا الحدث بالنسبة لفرساي وللملكية مجرد واقعة عابرة، بل نقطة تحول غيّرت مسار فرنسا بشكل جذري.
يمكن القول إن مسيرة النساء إلى فرساي لم تكن مجرد احتجاج على نقص الخبز، بل كانت لحظة فارقة كشفت هشاشة النظام القديم، وأظهرت قدرة الجماهير الشعبية على تغيير مسار التاريخ، وأثبتت أن الأزمات المعيشية حين تلتقي مع اللحظة السياسية المناسبة قد تتحول إلى قوة عاتية لا تستطيع أعتى الملكيات مقاومتها.
المصدر: RT