من سينهار أولا: الولايات المتحدة الأمريكية أم الصين أم روسيا؟
تختلف نقاط الضعف والهشاشة الرئيسية لدى الدول الثلاث المذكورة أعلاه.
إلا أنه وبالنظر إلى ما تمتلكه هذه الدول من تفوق عسكري (نووي) مفرط يجعلها بمنأى عن الهزيمة العسكرية، فإن جميع هذه النقاط تتركز في المجال الاقتصادي.
الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة مفلسة فعليا، لكنه إفلاس غير محقق.

هل ترامب هادئ أم حائر أم مشلول من الخوف؟
فالخسارة غير المحققة هي عندما تشتري "بيتكوين" مقابل 80 ألف دولار، بينما تبلغ قيمته الحالية في السوق 60 ألف دولار. يحتسب هذا "البيتكوين" في ميزانيتك بسعر الشراء، أي بـ 80 ألف دولار، لكنك ستتكبد عند بيعه خسارة قدرها 20 ألف دولار. بمعنى أن هذه الخسارة لن تتحقق إلا عند البيع، أما حتى ذلك الحين فأنت رسميا غير مفلس.
بالمناسبة، ينطبق هذا المثال على النظام المالي الغربي بأكمله، حيث تمتلئ ميزانيات البنوك والشركات بمثل هذه الخسائر غير المحققة، ولا سيما الديون التي لن تسدد، لكنها ما زالت مدرجة في الحسابات بقيمتها الإسمية.
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن هذه اللحظة، التي سيتبعها انهيار فوري لاقتصاد البلاد مع احتمال التفكك والحرب الأهلية، هي لحظة انهيار الدولار المتزامنة مع انهيار هرم الديون العملاق.
ومع مرور كل شهر، تقترب الحكومة الأمريكية خطوة فخطوة من هذا الوضع، إذ بات من الصعب عليها بشكل متزايد خدمة هرم الديون، وقد تجاوزت تكاليف تلك الخدمة الميزانية العسكرية للبلاد، كما أن ارتفاع التضخم (بما في ذلك بسبب إغلاق مضيق هرمز) يزيد من هذه التكاليف.
يضاف إلى ذلك الفقاعة الضخمة في أسواق المال، لا سيما سوق الأسهم الأمريكية، التي قد تنفجر في أي لحظة وتؤدي إلى سلسلة من التفاعلات المتتابعة التي تؤدي إلى انهيار الاقتصادي العالمي.
لكن الصين حتى اللحظة تنقذ الولايات المتحدة.
فنقطة ضعف الصين الرئيسية تكمن في وصولها إلى الأسواق الخارجية. ومع ذلك، فإن هذه النقطة يعوضها إلى حد كبير أهمية الصين التي لا غنى للعالم عنها، بما في ذلك الولايات المتحدة.
وحتى وقت قريب، كنت أعتقد أن الصراع العسكري المباشر بين الولايات المتحدة والصين أمر لا مفر منه، إذا كان هو السبيل الوحيد أمام الولايات المتحدة لمنع الصين من أن تصبح قوة مهيمنة عالميا، الأمر الذي كان سيؤدي إلى فقدان الدولار مكانته كعملة عالمية، وبالتالي حرمان الولايات المتحدة من وجدها الحالي وانهيار اقتصادها. ومن الصعب تصور انسحاب الولايات المتحدة سلميا من الساحة الدولية وانزلاقها إلى الفوضى، كما حدث في الاتحاد السوفيتي.

نتائج زيارة ترامب إلى الصين: TACO (ترامب دائما يتراجع)
إلا أن الصين، فيما يبدو، قد تمكنت من أخذ العالم بأسره، وفي المقام الأول الغرب والولايات المتحدة، كرهائن، ليصبح سقوط الصين مرادفا لانهيار بقية العالم أيضا.
في عام 2021، شهد الدولار ارتفاعا طفيفا في التضخم نتيجة لانخفاض مؤقت في إمدادات السلع الصينية إلى السوق العالمية بسبب جائحة "كوفيد-19". والحرب أو الحصار البحري ضد الصين سيؤديان إلى نقص دائم في السلع على مستوى العالم.
ووفرة السلع الصينية هي الشيء الوحيد الذي يمنع العالم من التضخم المفرط الآن، بالنظر إلى الكمية الهائلة من الدولارات واليورو والين والعملات الغربية الأخرى غير المدعومة التي تطبعها البنوك المركزية.
في الوقت نفسه، فإن الوضع الاقتصادي في الصين هو الآخر غير مستقر.
أعتقد أن اعتماد الصين على استيراد الموارد مبالغ فيه وثانوي. أولا، فشلت الولايات المتحدة في تهميش روسيا، والصين، مهما بلغت شدة الحصار البحري، تحتفظ بإمكانية الوصول إلى موارد روسيا الهائلة، وبالتالي إلى موارد آسيا الوسطى، كما أن الصين حولت اقتصادها ووسائلها للنقل إلى حد كبير إلى الطاقة الكهربائية.
لكن الصين لا تستطيع تقديم تنازلات أو الموافقة على تقييد تنميتها، فهذا يعني انهيارا داخليا اقتصاديا وربما سياسيا. فقد بنت الصين هرم ديونها بنفسها، واستقرارها الاقتصادي يعتمد على قدرتها على مواصلة التوسع.
لا تملك الولايات المتحدة خيار تدمير الصين، وأقصى ما يمكنها أن تسمح لنفسها بالسعي إليه هو إخضاع بكين، وهو تقييد شبه طوعي لمعدل النمو الاقتصادي للبلاد، والذي وافقت عليه اليابان قبل عدة عقود.
لا يستبعد أي من هذا إمكانية نشوب حرب محدودة بالوكالة، لا تهدف إلى التدمير، وإنما إلى استنزاف الموارد الاقتصادية وما يتبع ذلك من ابتزاز وضغوط. وستكون تايوان واليابان هما من سيخوضان هذه الحرب. ولا يزال التحكم الكامل في إيران وقطاع الطاقة في الخليج مطروحا على جدول الأعمال، بل وتتزايد أهميته.
يفتقر الغرب حاليا إلى النفوذ الكافي لإجبار الصين على الامتثال. والوضع عبارة عن حالة من الانسداد المتبادل.
أقصى ما يمكن أن يحصل عليه الغرب من أي ضغط هو موافقة الصين على الحفاظ على الوضع الراهن، أي الوضع الذي تستمر فيه الصين في النمو الاقتصادي، بينما يستمر الغرب في التدهور وينهار في نهاية المطاف في مرحلة ما في المستقبل ولكن ليس الآن.

مصير إيران والدول العربية في الخليج سيحسم في بكين
الولايات المتحدة تتجه ببطء ولكن بثبات نحو الانهيار، وليس باستطاعتها فعل أي شيء حيال ذلك.
لفترة من الزمن، بدا أن الولايات المتحدة قادرة على رد عسكري، لكن اتضح أن ترامب لا يزال مجرد فنان استعراضي Showman، يهتم بالمظاهر أكثر من الأداء الفعلي، يستمتع بالعملية وباهتمام وسائل الإعلام، ويجني مليارات الدولارات لعائلته من خلال التلاعب بأسواق الأسهم، لكن طموحاته لا تتجاوز ذلك. وإذا أجبر ترامب على التنحي مبكرا، فسيبقى الديمقراطيون ضمن هذا الممر الضيق للفرص، ومن غير المرجح أن يجرؤوا على فعل أكثر مما أقدم عليه ترامب.
فيما يتعلق بـروسيا، فإن نقطة ضعفها الرئيسية تكمن في اعتمادها التكنولوجي والاقتصادي على الصين. وفي هذا الصدد، ينطبق كل ما سبق ذكره عن عجز الغرب عن ممارسة الضغط على الصين على روسيا أيضا.
كل الأمور الأخرى ليست بالغة الأهمية. وفي رأيي المتواضع، لا تتمحور شكاوى الشعب الروسي الرئيسية من القيادة، حول الحرب مع الغرب في أوكرانيا، سوى حول ضبط النفس المفرط الذي تبديه روسيا في هذه الحرب. وفي هذا الصدد، لا تزال قدرة روسيا السياسية الداخلية على الصمود بعيدة عن الاستنزاف، على الرغم من ظهور أولى بوادر التأثير السلبي للحرب والحصار الغربي على الاقتصاد.
التضخم ملحوظ بلا شك، لكنه لا يقارن بما عانته البلاد عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. وإذا كان السكان كانوا قد صمدوا حينها بثبات في وجه الصعوبات وحافظت البلاد آنذاك على استقرارها وحكمها، فلا أرى، في رأيي، أي سبب يدعو إلى توقع الانهيار في ظل المستوى المعتدل للغاية من المشاكل الراهنة، والذي يمكن اعتباره، بالنظر إلى حجم الحرب مع الغرب الموحد، نجاحا.
ولكن، حتى مع افتراض انهيار روسيا، فإن هذا يعني انهيار الصين، وبعدها الولايات المتحدة.
بالنظر إلى كل ما سبق، يبدو أنه لن يكون هناك فائز في هذه الحرب، سينهار الجميع في آن واحد، لأن العالم شديد الارتباط والاعتماد المتبادل. ومع ذلك، لا يعني هذا أن عمق الانهيار سيكون متساويا للجميع.
لا أحد يعلم متى من الممكن أن يحدث ذلك. قد تنهار أسواق الأسهم الأمريكية في أي لحظة، لكن الغرب والصين سيتعاونان لإنقاذ الاقتصاد العالمي، ربما يستطيعان تأجيل الانهيار لفترة أطول. السياسيون من كلا طرفي النزاع غير مستعدين لاتخاذ إجراءات حاسمة تنطوي على تبعات سياسية. سيماطل الجميع حتى اللحظة الأخيرة، إلى أن يخرج انهيار الاقتصاد العالمي عن السيطرة.
المحلل السياسي/ ألكسندر نازاروف
رابط قناة "تلغرام" الخاصة بالكاتب
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
إقرأ المزيد
الشعوب الأوروبية بين سندان شيطنة روسيا ومطرقة العسكرة
يتوجه الاتحاد الأوروبي نحو العسكرة ويحشد طاقاته وموارده لمواجهة "التهديد الروسي"، رغم تفنيد روسيا هذه المزاعم على جميع المستويات.
الاتحاد الأوروبي يبحث عقوبات جديدة ضد روسيا وبيلاروس
باشر مندوبو دول الاتحاد الأوروبي اليوم مناقشة حزمة العقوبات الـ21 ضد روسيا وقيود جديدة على التعامل مع بيلاروس خلال أعمال لجنة الممثلين الدائمين للاتحاد.
الصين تسعى إلى تعزيز نفوذها في كوريا الشمالية
عن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ، وهي الأولى منذ سبع سنوات، كتب فلاديمير سكوسيريف، في "نيزافيسيمايا غازيتا":
تجارة الصين تسجل نموا قياسيا بين يناير ومايو 2026
أظهرت بيانات رسمية أن التجارة الخارجية الصينية سجلت 2.975 تريليون دولار بين يناير ومايو 2026، محققة نموا بنسبة 19.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
تطوير الطائرات المسيرة الأمريكية محكوم بالصين
قد يؤدي احتكار الصين للمغناطيسات الأرضية النادرة إلى سحق صناعة الطائرات دون طيار الأمريكية قبل أن تنمو. جوناثان رونتري – فوكس نيوز
التعليقات