دوّن هذا الرحالة تفاصيل رحلة مثيرة تجول خلالها عام 1930 في الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا، في كتاب حمل عنوان "لقاء في الصحراء"، بينما كان عنوانه الأصلي "الصحراء تحترق".
لم يكن هولمبو مجرد رحالة أوروبي يبحث عن المغامرة، بل كان شاهدا من نوع آخر، فقد اختار أن ينغمس في الثقافات التي زارها، وأن ينظر إلى شعوبها بعين مختلفة عن عين المستعمر.
عبور الصحراء.. سيارة متهالكة ولقاءات نادرة
يصف هولمبو في كتابه تجاربه أثناء عبور الصحراء الكبرى بسيارة "شيفروليه" متهالكة، حيث انخرط في لقاءات مع سحرة وسكان الكهوف ومتصوفة. قادته رحلته الطويلة من فاس إلى الإسكندرية، مرورا بالصحراء الجزائرية والليبية، حيث التقى بمجتمعات إسلامية متنوعة، شملت أتباع الطرق الصوفية. أتاح له اعتناقه الإسلام ومعرفته باللغة العربية أن يتعرف على مجتمعات بطريقة بعيدة كل البعد عن النهج المعتاد لرحلات الأوروبيين الآخرين، وأن يخوض تجارب كان أكثرهم يتجنبها أو يكتفي بمراقبتها من بعيد.
تيه وعطش وجوع.. عشرة أيام بين الرمال
يزخر كتاب هولمبو بأحداث ومواقف مثيرة وغير مألوفة، ويقدم أيضا تفاصيل غنية حول الحياة اليومية والمعتقدات والقيم الأخلاقية لسكان الصحراء. من ذلك أن سيارة الرحالة الدنماركي تعطلت أثناء رحلته في منطقة ساحلية موحشة تقع جنوب شرق سرت. تاه هولمبو ورفاقه بين الرمال لمدة عشرة أيام، وعانوا من الجوع والعطش، قبل أن يصلوا أخيرا إلى حصن إيطالي. تُعد هذه الحادثة واحدة من أكثر التجارب قسوة، إذ كان خطر الهلاك في الصحراء حقيقيا وملموسا.
كرم البدو وتقارب ثقافي نادر
يصف هولمبو بالتفصيل لقاءاته الودية مع البدو الرحل، التي اتسمت بكرم الضيافة. لقد انخرط في الحياة القبلية ودرس عاداتهم. كان قد اعتنق الإسلام عام 1929، واتخذ اسم "علي أحمد". كان هذا النوع من الانغماس الثقافي أمرا نادرا بالنسبة لغربيّ في ذلك الوقت. لم يكن الكتاب مجرد سجل للمغامرات، بل نافذة على الحياة اليومية والمعتقدات والقيم الأخلاقية لسكان الصحراء، بلغة تجمع بين دهشة الرحالة وعمق الشاهد.
عاصفة رملية وعاصفة ثلجية.. مفارقات الصحراء
يروي هولمبو عن عاصفة رملية مفاجئة داهمتهم في قلب الصحراء ففي غضون ثوان، ارتفع جدار من الرمال، وعوت الرياح، وانعدمت الرؤية تماما. اضطر الرحالة ومن معه إلى الاحتماء تحت الأغطية داخل السيارة لمنع الرمال من سدّ أفواههم وآذانهم. بالسرعة ذاتها التي بدأت بها، هدأت العاصفة، وبات بإمكانهم رؤية سحابة هائلة من الرمال تبتعد نحو الأفق، وقد أضاءتها أشعة الغروب.
من أكثر المفارقات غير المتوقعة في الكتاب، أن الرحالة بعد الخروج من الصحراء اللاهبة، صعد ورفيقه عبر ممر جبلي حيث داهمتهما عاصفة ثلجية حقيقية. ضاق الطريق ليتحول إلى مسار جبلي محفوف بالمخاطر؛ جرف صخري شاهق من جهة، ومنحدر سحيق من الجهة الأخرى. أما الجسر الممتد المعلق فوق الأخدود، فقد كان مصنوعا من الحبال والألواح الخشبية التي كانت تصدر صريرا تحت وطأة عجلات سيارتهم القديمة والمتهالكة. عبر هولمبو ورفيقه الجسر وهما يقفان على العتبات الخارجية للسيارة، خشية ألا يتحمل الجسر وزن المركبة إذا بقيا بداخلها.
السحرة والمتصوفة.. سرد صوفي وسط واقع قاسٍ
يتضمن كتاب "لقاء في الصحراء" أيضا مشاهد أكثر غرابة وإثارة للدهشة، مثل لقاءات مع أشخاص يصفهم المؤلف بـ "السحرة"، ومحادثات مع متصوفة وزهاد. تضفي هذه اللقاءات على السرد طابعا صوفيا أشبه بالحكايات الخيالية، يبرز بوضوح عند مقارنته بالواقع القاسي للحياة في ظل الاستعمار. فبينما كانت الصحراء تفتح له أبوابها الروحية والأسطورية، كان الواقع السياسي يفرض عليه مشاهد أخرى أكثر قسوة.
شاهد على الاستعمار.. ليبيا تحت الحكم الإيطالي
لم يكتفِ هولمبو بسرد المغامرات فحسب، بل وظّف تجاربه لتحدي السياسات الاستعمارية ولفت الانتباه إلى معاناة الشعب الليبي. لا تزال العديد من هذه القصص ذات صدى قوي في وقتنا الحاضر، نظرا لما تطرحه من توترات ومعضلات أخلاقية.
في ليبيا، وقع هولمبو في أسر البدو، لكنهم أطلقوا سراحه بعد أن اكتشفوا أنه مسلم. تُبرز هذه الحادثة كيف أن اعتناقه للإسلام قد أنقذ حياته في منطقة كان يُنظر فيها إلى الأوروبي الأبيض بعين الريبة والشك.
الجزء الأكثر تأثيرا وصدمة في الكتاب هو ذلك المتعلق بالأحداث التي وقعت تحت سيطرة السلطات الاستعمارية الإيطالية في ليبيا. وصف هولمبو كيف تم تهجير قبائل وعائلات بدوية بأكملها قسرا، واحتجازهم في معسكرات سادت فيها ممارسات التعذيب والإذلال والمجاعة.
عند وصوله إلى بنغازي، شهد هولمبو قيام السلطات الإيطالية بإعدام "المجاهدين الليبيين" الذين قاوموا المستعمر الدخيل، شنقا بشكل يومي. كانت عمليات الإعدام تتم علنا، وكان هولمبو يقف على مسافة قريبة تتيح له وصف ملامح المحكوم عليهم، وتصوير الخيار الذي واجهوه: إما الرصاصة أو حبل المشنقة. كما يروي قصة فتاة عربية اختطفها الإيطاليون وباعوها لبيت دعارة؛ مشيرا إلى أنها توسلت إلى والدها ليقتلها بعد أن ألمّ بها المرض.
وصف الرحالة كيف عمد الجيش الإيطالي إلى ردم الآبار في شرق ليبيا وجعلها غير صالحة للاستخدام، وإبادة الماشية بنيران الرشاشات، ما أجبر سكان الصحراء على الاختيار بين الموت البطيء أو الذل في معتقلات رهيبة.
منع الكتاب واعتقال الرحالة
كان هولمبو من أوائل الصحفيين الأوروبيين الذين كشفوا للعالم صراحةً عن حجم هذه الوحشية، ما أثار موجة استنكار دولية حينها؛ بل إن الكتاب مُنع من التداول في إيطاليا إبان الحكم الفاشي.
ألقت السلطات الإيطالية القبض على هولمبو في مدينة درنة بأقصى شرق ليبيا، وأبعدته عن البلاد. وحين سأل الرحالة الضابط الإيطالي عن سبب احتجازه، قيل له إن "هناك حربا دائرة هنا"، وإن مجرد عيش أوروبي في حي عربي وتردده على المسجد كان سببا كافيا لإثارة الشبهات.
من الإسكندرية إلى المقاومة
بعد ترحيله، سافر هولمبو إلى الإسكندرية، حيث التقى بالزعيم السنوسي المنفي إدريس السنوسي، وهو الرجل نفسه الذي أصبح لاحقا ملكا لليبيا المستقلة عام 1951. سلّم إدريس هولمبو رسالة موجهة إلى الثوار في واحة الكفرة، ما يشير إلى أن هذا الدنماركي لم يعد مجرد مراقب، بل أصبح مشاركا في حركة المقاومة.
موت غامض وصدى مستمر
يُختتم كتاب "لقاء في الصحراء" بمشهد رمزي: يقف هولمبو على ظهر سفينة شحن، متأملا مياه البحر المتوسط، ومستحضرا حلم موسوليني بتحويله إلى "بحيرة إيطالية".
بعد أشهر قليلة فقط من صدور الكتاب، قُتل كنود هولمبو في 15 أكتوبر 1931 في الصحراء بالقرب من العقبة، في ظروف لا تزال غامضة ولم تُحلّ ألغازها حتى يومنا هذا. هكذا انتهت حياة رحالة آثر أن يكون شاهدا لا زائرا، فترك خلفه كتابا ما يزال يقرأ كوثيقة أدبية وإنسانية وسياسية على قدر كبير من الجرأة والصدق.
المصدر: RT