اجتاحت "الإنفلونزا الإسبانية" العالم بأسره في الفترة ما بين عامي 1918 و1920. وخلال هذه الفترة، أُصيب حوالي 550 مليون شخص، وهو رقم كان يعادل حينها ثلث سكان العالم، فيما قُدِّرت حصيلة الوفيات بما يتراوح بين 50 و100 مليون شخص.
جائحة عالمية غير مسبوقة
كانت جائحة الإنفلونزا عام 1918، التي عُرفت باسم "الإنفلونزا الإسبانية"، أكثر تفشٍّ للأمراض المعدية فتكاً في التاريخ الحديث، وكان المتسبب فيها فيروس الإنفلونزا "A" من النوع "H1N1"، وتشير الأبحاث إلى أن هذا الفيروس تحوّر على الأرجح من فيروس يصيب الطيور، مع احتمال تورط فيروس آخر يصيب الخنازير أيضا، وقد اجتاح العالم في ثلاث موجات، تاركاً وراءه أثرا عميقا ومستداما.
ما يدل على عنف هذه الجائحة أنها في غضون عام واحد فقط حصدت أرواحا تفوق في عددها مجموع ضحايا الحربين العالميتين معا. عُرف هذا الوباء في بعض البلدان باسم "الموت الأزرق"؛ إذ كانت وجوه المصابين في المراحل الأخيرة من المرض تكتسي بلون أزرق غامض لا تفسير له. أما سر تسمية "الإنفلونزا الإسبانية" فكان مرجعه أن إسبانيا كانت من أوائل الدول الأوروبية التي اعترفت علنا بحجم الجائحة. مع ذلك، لم يتمكن العلماء حتى الآن من تحديد المصدر الدقيق لظهور الفيروس.
أثر الجائحة في المنطقة العربية
كان لجائحة الإنفلونزا الإسبانية تأثير عميق ومدمر على المنطقة العربية، وقد خلفت وراءها معدلات وفيات مرتفعة واضطرابات اجتماعية واسعة النطاق. رغم أن السجلات التاريخية المتعلقة بها أقل اكتمالا مقارنة بتلك الخاصة بأوروبا أو أمريكا الشمالية، إلا أن الإحصاءات والروايات المتاحة ترسم صورة قاتمة للوضع. كانت هذه الجائحة، التي عُرفت في المنطقة العربية بأسماء مثل "سنة الرحمة" و "سنة الحمى"، حدثاً كارثياً فاقم من وطأة المصاعب التي خلفتها الحرب العالمية الأولى.
مشاهد من العالم العربي
أما حصيلة الجائحة فقد تفاوتت بشكل كبير في أنحاء العالم العربي، لكنها طالت كل ركن من أركان المنطقة. بحسب التقديرات المتاحة، قدّر تقرير بريطاني رسمي عدد الوفيات في مصر بـ139.000، أي ما يعادل 1 في المئة من السكان، بينما قدّر باحثون آخرون العدد بما يصل إلى 180.000، كما تشير التقديرات إلى إصابة 500.000 شخص.
في الكويت زمن هذه الجائحة القاتلة، توفي حوالي 4000 شخص، أي ما يعادل 6.1 في المئة من إجمالي السكان، وقد أشار تقرير صادر عن البعثة الأمريكية في الكويت إلى أن الوباء لم يستثن أي منزل، وأن الوفيات كانت ناجمة في الغالب عن مضاعفات الالتهاب الرئوي.
يُعتقد أن جائحة "الإنفلونزا الإسبانية" تسببت في وفاة الآلاف في شبه الجزيرة العربية، إلا أن الأرقام الدقيقة غير معروفة. أدت الجائحة إلى "إبادة بلدات وقرى بأكملها". في الرياض وحدها، تجاوز عدد الوفيات 1000 حالة، مع تسجيل أرقام مماثلة في مدينتي بريدة وعنيزة بمنطقة القصيم في المملكة العربية السعودية حاليا.
تُقدَّر أعداد ضحايا الجائحة في العراق بحوالي 2500 شخص بين أفراد قبائل في منطقة واحدة، على الرغم من شح البيانات الشاملة، فيما أشارت تقارير وردت من الأراضي التي كانت تحت الاحتلال البريطاني إلى ارتفاع معدلات الوفيات، لا سيما بين السكان القبليين.
أما في بلاد الشام، أي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، فقد بلغ عدد حالات الوفاة جراء هذه الجائحة مئات الآلاف، وقد تضررت المنطقة بشدة جراء الموجة الثانية التي تُعد الأكثر فتكا في أواخر عام 1918، حيث ساهمت تحركات القوات العسكرية البريطانية في تسريع وتيرة انتشار الوباء.
في المغرب، أودت هذه الجائحة بحياة أكثر من 60.000 شخص، وقد سُجِّل أن الوباء اجتاح مدنا مثل طنجة والقرى المحيطة بها، ما أدى إلى إبادة عائلات بأكملها.
تشير التقديرات إلى تسجيل ما لا يقل عن 30.382 حالة وفاة في صفوف العسكريين في الجزائر في تلك الحقبة الاستعمارية. هذا الرقم يمثل خسارة فادحة من بين أكثر من 400.000 جندي أُصيبوا بالمرض. يُسجَّل أن الجائحة تسببت في وفيات بين المدنيين، إلا أن الأرقام الدقيقة غير متوفرة.
ما بعد الوفيات: أثر اجتماعي عميق
تجاوز تأثير الإنفلونزا الإسبانية حصيلة الوفيات المباشرة؛ وذلك لأن الوباء اتسم بمضاعفات خطيرة، أبرزها الالتهاب الرئوي الذي كان غالبا السبب المباشر للوفاة. في بعض الحالات، أدى فيروس الإنفلونزا أيضا إلى تنشيط مرض السل الكامن لدى المرضى.
تعرض النسيج الاجتماعي في المنطقة العربية لاختبار قاس؛ إذ يُقال إن العدد الهائل للوفيات أدى إلى نقص في التوابيت، ما اضطر الناس لاستخدام الأبواب والأغطية لنقل الجثث. كما أُنهك حفارو القبور، وفاق حجم المأساة قدرة المجتمعات على الاستيعاب.
في مصر، على سبيل المثال، ساهمت استجابة الحكومة غير الكافية للأزمة، مقترنة بنقص الغذاء وارتفاع الأسعار في زمن الحرب، في تأجيج الاضطرابات، وشكلت عاملا من عوامل الضغط التي أدت إلى الانتفاضة الوطنية عام 1919.
كانت الإنفلونزا الإسبانية وباء مدمرا للمنطقة العربية، وقد تسببت في وفاة مئات الآلاف من الأشخاص في مناطق امتدت من مصر إلى شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام. تفاقمت معدلات الوفيات المرتفعة بسبب ظروف الحرب، وسوء التغذية، ونقص الموارد الطبية في تلك الفترة العصيبة من تاريخ المنطقة المنسي.
رغم مرور أكثر من قرن على تلك الأحداث، لا تزال "سنة الرحمة" حاضرة في الذاكرة الشعبية العربية، شاهدة على واحدة من أقسى الكوارث الصحية التي عرفتها المنطقة في العصر الحديث.
المصدر: RT