وتناول بيوتروفسكي في مقابلة مع وكالة "ريا نوفوستي" مستقبل الفن المنتج بالذكاء الاصطناعي، والألعاب الإلكترونية بوصفها مقتنيات متحفية، وتحولات جمهور الإرميتاج، والقطع التي قد تمثل عصرنا أمام الأجيال المقبلة.
القراءة البطيئة في مواجهة المحتوى السريع
قال بيوتروفسكي إن تيك توك والمنصات الرائجة الأخرى تقدم حلولا سريعة، لكن القرارات المستندة إلى البيانات الضخمة تبدو صحيحة أحيانا من دون أن تفسر الواقع فعليا. وأوضح أن المتوسطات الحسابية قد تكون مفيدة في تحليل البيانات الضخمة، لكنها لا تفسر كثيرا من جوانب الحياة اليومية.
وأضاف أن هذه الحلول السريعة مريحة، لكنها تشبه الإدمان وتخل بالإيقاع الطبيعي للحياة، داعيا إلى تذكر أن القراءة تحتاج إلى التمهل، وكذلك التفكير وزيارة المتاحف التي ينبغي أن تستغرق وقتا طويلا.
وتابع: "بعد ذلك يمكن العودة إلى المشي والركض ومشاهدة تيك توك، أو فعل أي شيء آخر".
وأشار مدير الإرميتاج إلى أن القراءة تشهد عودة ملحوظة، مع ظهور نوادي الكتب والمعارض المتخصصة. وقال إن بعض الكتب الأكثر مبيعا يمكن قراءتها بسهولة عبر الشاشات، بينما يرغب القراء في اقتناء كتب أخرى بين أيديهم، مؤكدا أهمية توفير خيارات متنوعة أمام الجمهور، لأن فرض القراءة لا يجدي، فيما يمكن تعريف الناس بها وإتاحة الفرصة لهم لاكتشافها.
الألعاب الإلكترونية تدخل المتاحف
وأوضح بيوتروفسكي أن الإرميتاج يعمل بدوره على تطوير صيغ جديدة لعرض الثقافة، مشيرا إلى أن المتحف يعرض للمرة الأولى ألعابا إلكترونية بوصفها مقتنيات متحفية.
ومن بين هذه الألعاب عمل يحظى بشعبية ويستخدم صورا مستمدة من كتب الأطفال السوفياتية، معتبرا أنه نتاج معاصر تماما أصبح بدوره موضوعا للعرض المتحفي.
الذكاء الاصطناعي يعيد فتح النقاش حول التأليف
وفي رده على سؤال بشأن احتمال دخول الأعمال الفنية المنتجة بمساعدة الشبكات العصبية إلى مجموعات المتاحف، قال بيوتروفسكي إن الإرميتاج يعمل على هذا المجال منذ سنوات، ونظم معارض كبيرة ومشروعات يختار فيها الإنسان الخوارزمية، ثم تنتج عنها نتيجة مستقلة.
وأضاف أن هذا المجال يحمل آفاقا مستقبلية، لكنه سيجبر المؤسسات الثقافية على إعادة النظر في مفهومي الملكية الفكرية والتأليف، مشيرا إلى أن الأعمال التي تنتجها الشبكات العصبية قد تتحول، إلى حد كبير، إلى ملكية عامة.
واستشهد بيوتروفسكي بفترات طويلة من التاريخ لم يكن فيها مفهوم التأليف الفردي قائما بالصيغة المعاصرة، موضحا أن هوميروس يمثل إلى حد بعيد شخصية رمزية، كما أن النصوص التوراتية لا تخضع لنموذج التأليف المألوف اليوم.
وقال إن الأعمال العظيمة تُنتج من أجل البشرية، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي قد يدفع إلى مناقشة هذه الفكرة بجدية من جديد.
وأضاف أنه يقرأ الروايات البوليسية، وأن بعض الأعمال في هذا النوع يبدو كأنه نتاج عمل جماعي أو استعانة بالذكاء الاصطناعي، لكنه لا يرى مشكلة في ذلك ما دامت القراءة ممتعة. ولفت إلى أن إنتاج الثقافة العادية على نطاق واسع يتزايد، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع أهمية فكرة المؤلف الفردي.
ما الذي سيبقى من عصرنا بعد قرون؟
وحول القطع التي قد تمثل عصرنا أمام الأجيال المقبلة، قال بيوتروفسكي إن المتحف يسعى إلى حفظ الذاكرة التاريخية، ولذلك يتابع الفن المعاصر ويجمع أعماله ويفكر في كيفية الحفاظ على ملامح الحاضر. لكنه أشار إلى أن تحديد الرمز الأهم للعصر الحالي لا يزال أمرا سابقا لأوانه.
وأوضح أن الهاتف يمثل أحد رموز عصرنا، مستذكرا أجهزة النداء الآلي "البيجر" التي اعتقد الناس أنها اختفت نهائيا، قبل أن تعود إلى الواجهة في سياق الأحداث الأخيرة. وأشار إلى أن حوادث تفجير هذه الأجهزة أعادت الانتباه إلى خصائص التكنولوجيا القديمة، ومنها صعوبة التنصت عبرها مقارنة ببعض التقنيات الأخرى.
وقال إن الوقت وحده سيكشف ما الذي سيبقى رمزا لهذا العصر: البيجر أم هاتف آيفون أم شيء آخر.
هل استلهم ترامب فخامة الإرميتاج؟
وتطرق بيوتروفسكي إلى قصة أثارت نقاشا في الصحافة وشبكات التواصل الاجتماعي بشأن ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد استلهم تصميم قاعة الرقص الجديدة في البيت الأبيض من قاعة القديس غيورغي في قصر الشتاء، المعروفة أيضا باسم قاعة العرش الكبرى.
وقال إن هذا الأمر صحيح جزئيا على ما يبدو، مضيفا أن ترامب يحب الفخامة، وأن الطراز الروسي بما يتسم به من ذهب وزخرفة لفت انتباهه. ووصف هذا الأسلوب بأنه يضم قدرا من الذهب يزيد قليلا على الحاجة، من دون أن يصل إلى الإفراط، مشيرا إلى أن زوار الإرميتاج يخرجون منه بانطباعات مختلفة تبقى معهم طويلا.
جمهور الإرميتاج أكثر شبابا واهتماما بالتفاصيل
وعن التغيرات التي طرأت على جمهور المتحف خلال السنوات الأخيرة، قال بيوتروفسكي إن الجمهور تغير إلى الأفضل، موضحا أن المجموعات السياحية المنظمة الكبيرة التي كانت تعيق التجول الهادئ في القاعات وتفحص الأعمال الفنية تراجعت إلى حد بعيد.
وأضاف أن المتحف ينظم مواعيد دخول المجموعات المتبقية لتجنب وجود أعداد كبيرة من الزوار في الوقت نفسه، فيما تزايد عدد الذين يزورونه بصورة فردية، برفقة أطفالهم أو شركائهم، كما ارتفعت نسبة الزوار الشباب.
وأشار إلى أن هؤلاء لا يكتفون بمشاهدة الأعمال التي تشير إليها الأدلة السياحية، بل يبحثون عن موضوعات محددة تثير اهتمامهم الشخصي، الأمر الذي أتاح فرصا أكبر للزوار الذين يفضلون المشاهدة الهادئة والمتأنية.
وعن التوزيع العمري للجمهور، قال بيوتروفسكي إن بيانات المتحف تشير إلى أن غالبية الزوار باتوا دون 36 عاما، فيما يستقبل مبنى الأركان العامة التابع للإرميتاج جمهورا أصغر سنا، ينجذب إلى أجوائه المختلفة ويحب التجول فيه.
وأضاف أن النساء يشكلن نحو 60% من الزوار، وهي نسبة لا يراها مفاجئة.
واستعاد بيوتروفسكي حديثا سابقا عن الزيادة الكبيرة في عدد السياح الصينيين الذين يزورون الإرميتاج، موضحا أنه كان يقول إنه شاهد في متحف برادو بمدريد سياحا صينيين يتأملون الأعمال الفنية باهتمام، وكان يتمنى أن يستقبل الإرميتاج زوارا من هذا النوع. وأشار إلى أن المتحف يستقبل اليوم بالفعل سياحا صينيين وأجانب يزورون القاعات باهتمام وتركيز أكبر.
وقت أطول للترميم وزيارات مسائية بأسعار أقل
وقال بيوتروفسكي إن المتحف لا يسرع حاليا في إقامة المعارض، إذ أتاح تراجع الضغط السياحي وقتا أطول للعمل على مشروعات الترميم الواسعة للأعمال الفنية.
وأضاف أن الإرميتاج ينظم تدفق الزوار، ويمدد ساعات العمل حتى الثامنة مساء، كما عدل أسعار التذاكر وخفض سعر الدخول خلال الفترة المسائية.
وأوضح أن الزيارات المسائية لم تكن متاحة بهذه الصورة من قبل، لكنها قد تكون خيارا مناسبا لفئات من الجمهور. وأكد أن المتحف يتعامل باهتمام مع جمهوره الجديد ويدرس احتياجاته، معربا عن تطلعه إلى استقبال زائر متأن يهتم بما يشاهده ويتفاعل بعمق مع الأعمال والبرامج التي يقدمها المتحف.
المصدر: ريا نوفوستي