أكثر من زينة.. ماذا كانت تعني ضفيرة المرأة في التقاليد الروسية؟
كشفت تسريحة شعر المرأة في التقاليد الروسية عن عمرها ومكانتها ومرحلة حياتها، حتى غدت الضفيرة لغة صامتة رافقت طقوس الزواج والمعتقدات الشعبية.
لم يكن شعر المرأة في الثقافة الروسية التقليدية تفصيلا عابرا في مظهرها، بل كان جزءا من صورتها الاجتماعية. فطريقة تصفيفه، وكيفية إظهاره أو تغطيته، كانت تتبدل مع العمر والحالة الاجتماعية، فيما احتلت الضفيرة مكانة خاصة في حياة الفتاة قبل الزواج.
ويختصر المثل الروسي الشهير "Коса — девичья краса"، أي "الضفيرة زينة الفتاة"، جانبا من هذه المكانة؛ فقد ارتبطت الضفيرة الطويلة والكثيفة بصورة الفتاة الجميلة والصحية، وتكررت هذه الصورة في الأغاني والحكايات الشعبية، حتى غدا طولها وكثافتها علامة على الحيوية وحظ الفتاة في الزواج.
ضفيرة تقول ما لا تقوله الكلمات
كانت هيئة الشعر تميز بين الفتاة والمرأة المتزوجة كما تميز بين مرحلتين من الحياة. ففي عدد من التقاليد الروسية، كانت الفتاة غير المتزوجة تظهر أمام الناس وشعرها مكشوفا، وتجمعه عادة في ضفيرة واحدة، قد تزينها بشرائط أو غيرها من الحلي. أما بعد الزواج، فتتغير هيئة الشعر نفسها: ففي بعض المناطق كانت المرأة المتزوجة تضفر شعرها في ضفيرتين، ثم تلفهما حول الرأس وتغطيهما بغطاء الرأس المخصص للنساء المتزوجات. وتوثق مواد إثنوغرافية من منطقة بوموريه الشمالية هذا الفرق بوضوح: الفتيات يظهرن شعرهن في الأماكن العامة، بينما تحرص النساء المتزوجات على تغطيته.
لم يكن هذا التحول مجرد تسريحة تنتهي، بل علامة على حياة توشك أن تفسح مكانها لحياة أخرى، وظهر هذا المعنى بأوضح صورة في طقوس الزواج، ولا سيما في لحظة فك ضفيرة العروس. ففي تقاليد روسية مختلفة، كانت ضفيرة الفتاة تُفك خلال طقوس العرس، أحيانا في اليوم السابق للزفاف وأحيانا في يومه، ثم يعاد ترتيب شعرها وفق الهيئة التي تخص المرأة المتزوجة. وكانت هذه اللحظة محاطة بالأغاني والمراثي التي تؤديها النساء والفتيات، فيما كانت العروس تبكي أو تتظاهر بالبكاء وهي تودّع حياة العزوبية. وفي الفولكلور الروسي، اكتسبت هذه اللحظة معنى رمزيا واضحا: فك الضفيرة إعلان عن انتهاء مرحلة وبداية أخرى.
الشعر المنسدل.. وجه آخر للحكاية
إذا كانت الضفيرة المرتبة ترسم صورة الفتاة في الحياة اليومية، فإن الشعر الطويل والمنسدل اتخذ في الفولكلور والأساطير الروسية والسلافية دلالات أخرى. ومن أشهر الشخصيات التي ارتبطت بهذه الصورة الحوريات، وهي شخصية من المعتقدات السلافية ظهرت في تقاليد مختلفة مرتبطة بالمياه والأرواح وبصور النساء الشابات. وفي بعض الحكايات تظهر بشعر طويل منسدل، فيما ارتبطت في روايات أخرى بالموت أو بإغواء الرجال.
لكن صورة الحوريات لم تكن واحدة في العالم السلافي كله؛ فقد اختلفت ملامحها ووظائفها في الحكايات باختلاف المناطق والعصور. لذلك يصعب اختزالها في شخصية واحدة أو معنى ثابت، كما يصعب فصل صورة شعرها عن عالم رمزي أوسع ارتبط بالماء والحياة والموت وما هو خارج حدود العالم المألوف.
من ضفيرة الفتاة إلى لحية الرجل
ولم تكن رمزية الشعر حكرا على النساء؛ فقد حملت اللحية والشارب مكانة اجتماعية وقانونية لافتة لدى الرجال في روسيا القديمة. وتكشف "الروسية برافدا"، وهي من أقدم مجموعات القوانين الروسية، عن أهمية هذه المكانة، إذ نصت على غرامة قدرها 12 غريفنا لمن تُقتلع لحيته أو شاربه، في إشارة إلى أن الاعتداء عليهما كان يتجاوز الأذى الجسدي ليحمل معنى الإهانة والمساس بمكانة الرجل.
لكن علاقة الدولة بالمظهر تغيرت بصورة جذرية في عهد بطرس الأكبر، حين أصبح شكل الإنسان نفسه جزءا من مشروع تحديث المجتمع؛ فمنذ نهاية القرن السابع عشر بدأ بطرس الأول فرض ملامح المظهر الأوروبي الجديد، ثم جاء مرسوم 16 يناير 1705 لينظم حلق اللحى والشوارب، ويفرض رسما على من يرغب في الاحتفاظ بهما. واختلفت قيمة الرسم بحسب الفئة الاجتماعية، وكان من يدفعه يحصل على "شارة اللحية"، وهي علامة معدنية تثبت دفع الرسم، وتظهر على بعضها صورة اللحية والشارب وعبارة "ДЕНГИ ВЗЯТЫ"، أي "دُفعت الأموال". ولا تزال نماذج من هذه العلامات محفوظة في المتاحف الروسية، ومنها نموذج يعود إلى عام 1725 في متحف الإرميتاج.
فما يبدو اليوم تفصيلا شخصيا بسيطا في المظهر، كان في تاريخ روسيا شأنا تتدخل فيه العادة والقانون معا: يُقرأ من ضفيرة فتاة، ويُفرض عليه رسم من الدولة إذا كان لحية رجل.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
لماذا كان الروس "يُخرجون القديسين" من البيت؟
تبدو عبارة "حان وقت إخراج القديسين" غريبة للوهلة الأولى، لكنها تعود إلى تقليد قديم ارتبط بمكانة الأيقونات في البيوت الروسية وطريقة التعامل معها عند وقوع مشاهد غير لائقة.
من هو الشخص الذي مُنح وسام "يهوذا" الخائن في روسيا؟
أمر بطرس الأكبر بمنح هذا الوسام عام 1709 لشخص محدد، لكنه لم يشاهد الوسام قط.
ليلة "إيفان كوبالا" التاريخية.. طقوس الماء والنار والأساطير السلافية في روسيا (صور)
يحيي الروس احتفالات ليلة "إيفان كوبالا" التاريخية، حيث يرتدي المشاركون أزياء تقليدية ويحملون أكاليل الزهور ويقفزون فوق النيران المشتعلة إحياء لأقدم الأعياد السلافية.
من شوارع القرى إلى ذاكرة التاريخ.. حكاية "رجل الدب" في روسيا القيصرية
تُجسّد ظاهرة "رجل الدب" إحدى الممارسات التاريخية في روسيا القيصرية، حيث عكست ملامح الترفيه الشعبي من خلال امتزاج فنون المسرح الجوال بتقاليد القرى وقسوة ترويض الحيوانات.
التعليقات